الحمد لله وحده، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد، أما بعد:
فظاهرٌ من سياق الحديث أنهم طلبوا أن يفعلوا فعل المشركين عند سِدرتهم، وفعلُ المشركين هو الشرك الأكبر، وقد تضمَّن شرك المشركين العكوف عند السِّدرة، وهذا عبادة، وهو دأب المشركين عند أوثانهم، كما قال تعالى: يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ [الأعراف: 138]، وقال تعالى عن إبراهيم: مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ [الأنبياء: 52]، فيكون العكوف من الشرك في الإلهية، وتعليقُ أسلحتهم طلبًا للبركة من الشرك في الربوبية؛ لاعتقادهم أنها تجعل في أسلحتهم قوة وتأثيرا فيما صُنعت له من الحرب، ولذا قلنا: إنه من الشرك في الربوبية[1]، ومعنى هذا أن المشركين بما فعلوا من العكوف والتعليق جمعوا بين نوعي الشرك: الشرك في العبادة، والشرك في الربوبية، وكلاهما شرك أكبر.
والشيخ الإمام -رحمه الله- في كلامه نوع تردُّد؛ فقوله في المسألة الثامنة: "الأمر الكبير، وهو المقصود: أنه أخبر أن طِلبتهم كطِلبة بني إسرائيل لما قالوا لموسى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا [الأعراف: 138] "[2] يدل على أن ما طلبوه من الشرك الأكبر، وفي المسألة الحادية عشرة يقول رحمه الله: "إن الشرك فيه أكبر وأصغر؛ لأنهم لم يرتدوا بهذا"[3]، فقوله هذا يدل على أن ما طلبوه شرك أصغر، وعندي أن الصواب هو ما ذكره في المسألة الثامنة[4]، فتأمل المسألتين. هذا ما ترجح عندي، وهو ما فهمته من دلالة الحديث[5]. والله أعلم.
أملاه:
عبدالرحمن بن ناصر البراك
حرر في 7 ذي القعدة 1447هـ
[1] ينظر: الكشف عن مقاصد أبواب ومسائل كتاب التوحيد –ط 1- (ص219).
[2] كتاب التوحيد بشرح شيخنا –ط 1- (ص230).
[3] كتاب التوحيد بشرح شيخنا –ط 1- (ص232).
[4] وهو بنحو ما قرره في كشف الشبهات فقال: "وكذلك لا خلاف في أن الذين نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه؛ لكفروا، وهذا هو المطلوب". ينظر: كشف الشبهات –ضمن شرح أربعة من المؤلفات المختصرة للشيخ محمد بن عبد الوهاب- لشيخنا - (ص187)، والكشف عن مقاصد أبواب ومسائل كتاب التوحيد –ط 1- (ص232).
[5] وما رجّحه شيخنا هو ظاهر كلام الشيخ سليمان آل الشيخ، ورجحه الشيخ الفقي فقال: "ليس ما طلبوه من الشرك الأصغر، ولو كان منه لما جعله النبي نظير قول نبي إسرائيل: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا، وأقسم على ذلك، بل هو من الشرك الأكبر كما أن ما طلبه بنو إسرائيل من الأكبر. وإنما لم يكفروا بطلبهم؛ لأنهم حدثاء عهد بالإسلام، ولأنهم لم يفعلوا ما طلبوه ولم يقدموا عليه بل سألوا النبي فتأمل". ينظر: التيسير (1/353-354)، وفتح المجيد –ت الفقي- (ص142).
