الحمد لله وحده، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد، أما بعد:
فأفعل التفضيل المضافُ إلى الله يأتي على وجهين:
أحدهما: باعتبار معلوماته سبحانه وتعالى.
الثاني: باعتبار العالِمين من عباده.
فأمَّا الأول فلا يجوز فيه إضافة أفعل التفضيل إلى الله؛ لأنَّ عِلم الله كقدرته لا يتفاوت؛ فليس هو تعالى أعلمَ بشيء منه بشيء آخر؛ فعلمه تعالى لا يتفاوت؛ فلا يقال: إنه تعالى أعلمُ بما في السماوات منه بما في الأرض، أو هو تعالى أعلمُ بالماضي منه بما سيأتي، بل علمه تعالى في ذلك سواء، فهو عِلمٌ كاملٌ باعتبار كلٍّ من المعلومَين، فيصحُّ في هذا الوجه تأويل ﴿أَعْلَمُ﴾ بـ "عالم"؛ لامتناع حقيقة المفاضلة بين عِلْم وعِلْم.
الوجه الثاني: باعتبار العالِمين من خلقه، كما لو قيل: الله تعالى أعلم من الملائكة، وهو أعلم بما في نفوس العباد، أي: منهم، فالله أعلم بما في نفس العبد من علم العبد بما في نفسه، قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [هود: 31]، فهنا لا يجوز تأويل ﴿أَعْلَمُ﴾ بـ "عالم"؛ لما يستلزمه من إبطال المعنى المراد، وهو تفضيل عِلْم الله على عِلْم العبد بذلك المعلوم المعيَّن، وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: 36] أي: أعلم منها؛ فلا يجوز أن يقال فيه "عالم"؛ لأن الله أعلمُ من امرأة عمران بما وضعت، وتأويل ﴿أَعْلَمُ﴾ بـ "عالم" يُبطِل المعنى المراد[1].
ومثل هذا يقال في قول يوسف عليه السلام لإخوته: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ [يوسف: 77]. أي: أعلم منِّي ومنكم؛ فلا يجوز تأويله بـ "عالم".
فتبيَّن ممَّا تقدم أنه يمتنع في الوجه الأول إضافةُ أفعل التفضيل إلى الله؛ لما يستلزمه من تفاوت عِلْم الله، ويصحُّ حينئذ تأويل ﴿أَعْلَمُ﴾ بـ "عالم"، وفي الوجه الثاني يصحُّ إضافة أفعل التفضيل إلى الله، ولا يجوز تأويله باسم الفاعل؛ لما ذُكِر من أن ذلك يستلزم إبطال المعنى المراد، وهو تفضيل علم الله على علم العبد.
والذي حمل صاحبَ تفسير الجلالين[2] على تأويل ﴿أَعْلَمُ﴾ في الآيتين بـ "عالم"، توهمُه أن ذلك يستلزم تفاوت علم الله، وهذا يصحُّ في الوجه الأول دون الثاني، كما تقدم. والله أعلم.
أملاه:
عبدالرحمن بن ناصر البراك
حرر في 15 ذي القعدة 1447هـ
[1] ينظر: التعليق والإيضاح على تفسير الجلالين لشيخنا (2/70).
[2] ينظر: المفصل في تفسير القرآن (تفسير الجلالين) –ت قباوة- (ص182)، (ص885).
