الرد على من جعل ضابط العبادة اعتقاد أن المعبود يملك النفع والضر للعابد

السؤال :

قال العلامة محمد الطاهر ابن عاشور –وهو من المحققين في التفسير واللغة- في تفسيره (27/ 26):

"ومعنى العبادة في اللغة العربية قبل حدوث المصطلحات الشرعية دقيقُ الدَّلالة، وكلمات أئمة اللغة فيه خفيَّةٌ، والذي يستخلص منها أنها إظهار الخضوع للمعبود، واعتقاد أنه يملك نفع العابد وضَرَّه، ملكا ذاتيًّا مستمرًا، فالمعبود إلهٌ للعابد، كما حكى الله قول فرعون: وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ [المؤمنون: 47]".

وقد تَبِعَهُ على هذا المعنى عددٌ من العلماء وطلبة العلم. فما رأيكم في هذا الضابط للعبادة؟ أحسن الله إليكم.

الحمد لله وحده، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد، أما بعد:

فقد عرَّف العبادة المحقِّقون من أهل السنة كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيِّم ومن تبعهما، بأنَّ أصل العبادة في اللغة هي الذُّل، كما يقال: طريق مُعبَّد، أي: مُذلَّل[1]، ولا ريب أن هذا المعنى ملازمٌ لهذه المادة؛ فالعبد ذليلٌ لسيِّده، اختيارًا أو اضطرارًا، والعبادة في الشرع تطلق على ما يقوم بالقلب من الحبِّ والتعظيم للمعبود، والذُّلِّ والخضوع، ولهذا قال الشيخان ابن تيميَّة وابن القيِّم في تعريف العبادة القائمة بالقلب: إنها كمال الحبِّ مع كمال الذُّل[2]، قال ابن القيِّم في النُّونيِّة[3]:

 وعبادةُ الرحمنِ غايةُ حُبِّهِ مع ذُلِّ عابدِه هما قُطبانِ

                      الأبيات.

وعرَّفها شيخ الإسلام ابن تيميَّة بما يكون به التعبُّد لله من الأعمال، قال: "العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة[4]"[5].

وأمَّا ما قاله الشيخ ابن عاشور رحمه الله في تعريف العبادة ففيه خطأ وصواب؛ فالصواب منه قوله: "إظهار الخضوع للمعبود"، والخطأ قوله: "واعتقاد أنه يملك نفع العابد وضَرَّه"، ويدل على غلطه في ذلك قوله تعالى عن إبراهيم لقومه: مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ [الشعراء: 70-74] أي: لا يسمعون ولا ينفعون ولا يضرون، ويشهد لذلك – وهو أن آلهة المشركين لا تنفع ولا تضر – قوله تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ [يونس: 18]، وهذا المعنى كثيرٌ في القرآن[6].

أمَّا الموحِّدون فإنهم يعبدون الله بأكمل الحبِّ والخضوع والإيمان بأنه تعالى وحده النافع الضَّارُ، فكلُّ ما في الوجود من خير وشرٍّ فهو بمشيئته وقدرته وخلقه سبحانه وتعالى الإله الحقُّ المبين، وكلُّ معبود سواه باطل: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج: 62]. والله أعلم.

أملاه:

عبدالرحمن بن ناصر البراك

حرر في 22 ذي القعدة 1447هـ


 

[1] ينظر: مقاييس اللغة (4/206)، ولسان العرب (3/274).

[2] ينظر: العبودية (ص48)، ومدارج السالكين (1/115-116).

[3] النونية (1/179 رقم 514).

[4] في العبودية: "الباطنة والظاهرة".

[5] العبودية (ص44).

[6] ولشيخنا فتاوى كثيرة في الرد على من تخبَّط في ضابط العبادة، وبعضها منشورة في الموقع، منها ما نُشر بعنوان: "ضابط العبادة والرد على من افترى على الإمام محمد بن عبد الوهاب"،  و"مسائل عن شرك المشركين الأولين وضابط العبادة وضابط دعاء الأموات المكفر"، و"هل يصح تقييد شرك العبادة بالمناط القلبي وقصد التقرب والتعبد في كل العبادات" وغيرها.

 

(الفتاوى المحررة)